يحيي بن حمزة العلوي اليمني

88

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

« المثال الثالث » في الحروف وهو قليل الاستعمال ، وهذا كقولنا : سأفعل ، وسوف أفعل ، فإن زمان « سوف » أوسع من زمان السين ، وما ذاك إلا لأجل امتداد حروفها وهكذا فإن التأكيد بإنّ الشديدة آكد من التأكيد بأن المخففة ، ونحو « لكنّ » فإنها مع التضعيف آكد منها مع التخفيف ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن المبالغة في الألفاظ إنما تكون تبعا للبلاغة في المعاني ، فلا جرم تكثرت الألفاظ لأجل ذلك . القانون الرابع في جهة إضافة الكلام إلى من يضاف إليه اعلم أن كل نثر ونظم من جميع الكلمات فله جهتان ، الجهة الأولى أن يكون فاعلا له في الحال ، فإذا قال الواحد منا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) [ الفاتحة : 2 ] « وقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل » فإن هذا الكلام يضاف إليه على جهة أنه فعله وأوجده بقدرته ، ولهذا فإنه واقف على حسب قصده وداعيته كسائر أفعاله ، فإنه لا فرق بين إيجاده لما قلناه بلسانه ، وبين تحريك يده في أن كل واحد منهما مضاف إليه على معنى أنه فعله واخترعه . الجهة الثانية أن يكون مضافا إليه على معنى أنه ابتدأه وأنشأه أولا ، فإن الحمد لله رب العالمين ، مضاف إلى الله تعالى على معنى أنه أنشأه ، وهكذا قوله « قفا نبك من ذكرى » فإنه مضاف إلى امرئ القيس ، وكل واحد من هاتين الإضافتين حقيقة في الإضافة ؛ لأنهما يسبقان إلى الفهم فلا وجه لجعل أحدهما حقيقة ، والآخر مجازا ، فإذا تمهّدت هذه القاعدة ، فالبلاغة إنما تحصل بتأليف الكلام ونظمه وإعطائه ما يستحقه من الإعراب ، وإعمال العوامل ، وتوخى جميع معاني النحو ومجاريه التي يستحقها ، وبيان ذلك هو أن وضع الكلم المفردة بالإضافة إلى واضع اللغة لا تغيير لها ، والتصرف لأهل البلاغة إنما هو في التأليف ، ألا ترى أن أفراد قولنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) [ الفاتحة : 2 ] مقولة على ألسنة الناس ، والإعجاز إنما كان من أجل نظمها وتأليفها بحيث كان الحمد مبتدأ ، ولله متأخرا عنه خبره ، ورب العالمين ، مضاف ، وإجراؤه صفة لما قبله في الإعجاز من جهة الانتظام ، فإذن حال أنفس الكلم مع المؤلف كحال الإبريسم مع ناسج الديباج ، والذهب مع صائغ التاج ، فحظه من ذلك إنما هو تأليفهما ونظمهما لا غير .